ما الادمان ومن المدمن

ما الإدمان ومن المدمن

كما أن الوصول إلي الهدف يبدأ بمعرفة الطريق فإن الوصول إلى جواب شامل ذي معنى واضح لهذه الأسئلة ( ما الإدمان؟ ومن المدمن ؟ ) هو الخطوة الأساسية والفعالة نحو الوصول إلى علاج الادمان على المخدرات والكحوليات.

فإذا لم نكن متأكدين من معرفتنا بشأن ما نواجهه، فإن كل الجهود التي نبذلها لعلاج مشكلة الإدمان قد تكون مبتورة ومنقوصة، وستكون محاولاتنا وجهودنا فاشلة مهزومة. ذلك لأن تعريف الإدمان يعد المفتاح الأساسي والأول لفهمه، لأن فهم وإستيعاب المشكلة لأي طرف منخرط بهذه المشكلة، مثل المدمنين أنفسهم، وأسرهم وأصدقائهم وكذلك للمتخصصين والقائمين علي العلاج، كل هذا يعد جزءً أساسياً من الحل لهذه المشكلة المتعددة الجوانب.

فالإدمان أزمة في أسلوب الحياة، كما أنه قضية أمن قومي وتنمية تتطلب جهوداً ومساهمات من كل الجهات والمؤسسات الحكومية والدولية والشعبية لكونها قضية ذات تأثير هدام علي المجتمعات الإنسانية كافة.

وهذه المعضلة (الإدمان) هي معضلة معقدة فهي بحاجة إلي إهتمام ومشاركة كل من له اهتمام وخبرة في الخدمات الإنسانية والذين يتطلعون إلى تخفيف الآلام والمعاناة عن المدمن وأسرته وسلامة المجتمع وإستقرارة.

فأسرة المدمن تصبوا وتتلهف إلي أن تصل إلي شرح وتوضيح الأسباب التي دعت ابنهم أو ابنتهم إلي الدخول والتورط في دائرة الإدمان القاتلة. الأسرة شغوفة وبشدة لفهم ما الإدمان وما هي الدوافع والمسببات التي تجعل من المدمن مدمناً، حتى يتسنى لها أن تعيد حساباتها وتستيقن ماذا حصل لها وما دوافع هذا السلوك المهلك.

وهناك الكثير من تعريفات الإدمان المطروحة في أدبيات هذا المجال، ولكن كل منها يركز علي بعد معين من أبعاد الإدمان ويغفل الأبعاد الأخرى، فمنها ما يختزل الإدمان إلي قضية أو مرض عضوي، ومنها ما يختزل الإدمان إلى مرض نفسي، في حين أن الإدمان ليس مجرد مرض نفسي كما أن دور المخدرات في الإدمان ليس إلا دوراً ثانوياً.

إننا بحاجة للإلمام بكافة تفاصيل العملية الإدمانية حتي نستطيع الوصول إلي تعريف واضح لكل الأطراف، فإذا كان الإدمان رغبة مرضية جامحة من الإنسان نحو الموضوع الإدماني فعلينا أن نتسائل، ما سر هذه الرغبة وهذا الولع بموضوع الإدمان؟

ولا شئ أبلغ من القصة للإجابة علي مثل هذا التساؤل، وفي إيضاح التفاصيل الدقيقة والمعاني العميقة لمثل هذه المفاهيم المعقدة كمفهوم الإدمان. لذلك سأصطحبكم في قصة من أروع القصص التي جائت في أدبيات هذا المجال لبيان تفاصيل وأبعاد مفهوم الإدمان حتي ننأي به عن التسطيح ولا نقع في فخ التعريف القاصر له. وهذة القصة جائت في كتاب ( هزيمة الإدمان ) لمؤلفه ” لانس دودز” الذي أعتمد عليها كدراسة حالة لشرح دوافع الإدمان المتجذرة في العقل الباطن والناتجة عن التربية.

قصة رون

كان رون البالغ من العمر سبعة أعوام، يلعب في غرفته التي يشاركه فيها أخوه الأكبر، عندما سمع صراخاً يعلو من والديه، وهذا ما كان يحدث بينهما غالبا. كان يسمع كثيراً من الألفاظ عندما يكون الصوت عالياً، ولم يكن يفهم جلّها، لكن أكثرها كان يتعلق بالنقود عادة. وهنا شعر بالحيرة، بسبب انحيازه في الولاء بينهما، أما آن لهذا الجدال أن يتوقف ؟

توقف الصوت، وبعد لحظات جاءت أمّه إلى الغرفة قائلة: رون، إنني أعاني صداعاً وسأستلقي قليلاً. لذا، رتب غرفة الجلوس فلدينا ضيوف اليوم، ولا تنس أن تضع المناشف في الغسّالة، إذا سمحت.

– لكنني منهمك في إنجاز قلعة (الليجو) يا أمي.

– قم بذلك من أجلي يا بني.

– هل أستطيع إنجاز هذا الجزء فقط؟ انظري، لقد أكمت الجدار في هذه الناحية، و …

– رونالد، قم بهذا فوراً.

– لكن، هلا شاهدت ما أنجزت في قلعتي؟

لكن والدته في هذه الأثناء كانت قد مضت عبر الصالة نحو غرفتها. وبعد أن نظّف رون ما أخبرته به والدته، لمحه والده عندما كان متوجهاً إلى غرفته.

– مرحباً يا رونالد، تعال إلى هنا.

مضى رون باتجاه والده، ونظر إليه.

– اسمع، علي إحضار أخيك من تمرين (البيسبول). لذا أريدك أن تأخذ الكلب في جولة.

– أوه، ولكن يا أبي أنا منهمك في إنجاز بناء القلعة.

– آسف يابني، ولكن طرأ تغيير على بعض الخطط، كان من المفترض أن تصحب والدتك أخاك إلى التمرين، ولكن الآن علي أن أقوم بهذا بنفسي.

– ولكن هل عليك أن تفعل هذا الآن؟ فالقلعة مبنية وكل ما أحتاج إليه هو أن …

قاطعه والده، وهو يتناول مفاتيحه من الخزانة الجانبية قبل ذهابه لإحضار أخيه بِن: تحدث إلى والدتك عن هذا.

عندما بلغ رون اثني عشر عاماً، ازداد الشجار بين والديه. وعندما بلغ أربعة عشر عاماً، كان نادراً ما يستمع إلى والديه، وظهرت لديه مشكلة بدت أنها تجعل الأمور تسير نحو الأسوأ للأسرة جميعها. وكثيراً ما تشاجر علي مر السنين مع أخيه بِن، مثلما يفعل أخوه عادةً. لكنّ الأمور الآن أسوأ من ذي قبل، فلا شجار يدور بينهما لأن بِن يتجاهله ببساطة. لقد فعل رون كل ما في وسعه، ليثير اهتمام أخيه، لكن ذلك لم يجدِ نفعاً!

ازدادت حاجة والدة رون – علي ما يبدو – إلى أن يساعدها في المنزل، حيث إنها تقضي جل وقتها في الفراش، أما والده فقد أصبح عصبي المزاج أكثر فأكثر. وهنا، كان رون يحاول دائماً المحافظة علي السكينة والهدوء في البيت، لكن تحقيق هذه المهمة كان مستحيلاً. كان يغسل الأطباق نيابة عن والدته عندما استدعاه والده من الرأب:

– رون، أحتاج إليك في الخارج، هنا.

– إنني أغسل الأطباق يا أبتِ.

– عن والدتك ؟

– نعم، فهي تشعر بتوعّك.

– هذا هُراء! ومتى كانت لا تشعر بتوعّك أصلاً؟ هيّا اخرج وساعدني على جر آلة جز العشب من الزاوية، فالفوضى تعم المكان.

– لكن أمي قالت أنها تحتاج …

– ومن قال: إنني أكترث لما تحتاج إليه، هيّا اخرج وساعدني.

جفف رون يديه، وخرج من الباب الخلفي. كان يفكر حينئذٍ في ممارسة لعبة كرة السلة في الساحة المجاورة، وتسجيل بعض الأهداف، والجري نحو عارضة المرمى، والتسكّع بالجوار، وممارسة ضربة الخطّاف في الملاكمة التى تمرّن عليها كثيراً، كان ذلك كل ما أراد عمله لو تسنّى له ذلك!

وعندما تلقّى بعد مرور عشرين عاماً، هذه الحزمة من نماذج الأوراق التي يفترض إنجازها قبل الخامسة مساءً، كان غاضباً جداً، مع أن آخرين تلقوا كمية الأوراق نفسها، ولم يظهر عليهم مثل هذا الإستياء! وهنا نتساءل: ما الذي أغضبه؟ وما علاقة قراره بتناول الكحول بإنجاز أيّ مهمة يُطلب إليه تنفيذها؟

إن معرفتنا المسبقة لظروفه تساعدنا علي الإجابة عن هذا التساؤل. فقد كبر، وما زالت آثار بعض الندوب الدائمة في جسمه، ولكنها ليست هي التي جعلت منه شخصاً غير طبيعي. نادراً ما يجتاز أي شخص مرحلة الطفولة من دون وجود بعض الآثار الجسدية أو العاطفية. ولعلك تستطيع من خلال الحدثين اللذين ذُكرا قبل قليل في قصة طفولته، أن تخمّن ماذا كانت تعني هذه الآثار في نظره. لقد شعر بأنه غير مسموع من أحد علي الرغم من محبّة والديه له، لكنهما كانا في الغالب منشغلين بمشكلاتهما الشخصية، والتشاجر معاً.

إن حقيقة محبة والديه له، جعلته ينموا بصورة صحّية من وجهة نظر عاطفية، ولكن كونه محبوباً منهما لم يكن كافياً من دون أن يظهرا له أنهما يهتمان بما يهتم به، وأنهما مهتما بشئ لأنه يحبه فقط. وقد احتاج رون – مثل باقي الأطفال – إلى أن يرى نفسه علي قمة سلّم أولويات والديه واهتمامهما. ولكن كان من الواضح له، أن أولوياتهما كانت تتعلّق بحاجاتهما الذاتية، على الرغم من عدم استطاعته أن يصوغ هذا بكلماته الخاصّة حينئذ. لقد كان في أدنى سلّم الأولويات في نظر أهله! ولأنه أراد السلام والطمأنينة، فقد عمل بجد لينصاع امتثالاً لرغبات والديه ومتطلباتهما، وإرضاءً لهما على الرغم من التباين فيما يطلبانه.

أخيراً، استطاع رون أن يتأقلم مع الواقع، بأن يعامل نفسه بطريقة معاملة أهله نفسهما. ولقد ساعده هذا الأسلوب علي تخطّي سنوات عمره، ولكنه ترك لديه جرحاً غائراً.

لقد نما معه بمرور السنوات شعور بالغضب والسخط تجاه أهله لتجاهلهم له، وهو غضب لم يكن من السهل أن يعبّر عنه تجاه من يحب، أو ربما لأنه فقد الأمل في أن يستمع إليه أحد أبداً.

كان يحاول جاهداً إحلال السلم الداخلي بين أفراد عائلته، علي عكس أخيه الذي كان يفتعل المشكلات. لقد كان مقيّداً وغير مسموع الكلمة، وفاقداً للحيلة في الحصول علي انتباه أحد في المنزل. إن محاولاته المستمرة في أن يكون عند توقعات أهله، وانصياعه لكلّ ما يُطلب إليه، جعلته جزءاً من النظام الذي كان يعيش فيه، نظام جعله يحسّ بالعجز عن غير قصد. إذن، ما الذي حدث عندما تلقّى أكوام الأوراق بعد مرور عشرين عاماً على هذا كله؟

لابد من أن ينجز أوراق الشركة في الخامسة تماماً، ويُتمّ ملخّص العمل بحلول الغد، في حين أن زوجته وأبناءه في حاجة إليه في المنزل. فكيف يمكن إرضاء الأطراف جميعاً؟ لقد كان هذا مستحيلاً. وبالمناسبة، هل سأل أحد نفسه: ما الذي يحتاج إليه هو ؟ وهل فكّر أحدهم في حجم القيود التي يفرضونها عليه؟ لقد وقع في المصيدة بالطريقة نفسها التي جعلته يشعر بالعجز طوال حياته. وكان هذا عندما فكّر في تناول الكحول.

هدف الادمان

وعندما نتسائل: ما السبب الذي يدفع أشخاصاً أذكياء إلى تدمير حياتهم بأنفسهم، بممارسة سلوك الإدمان بصورة متكررة، فإن قصة رون هنا تجيب عن هذا التساؤل، فقد شعر بتحسّن عندما فكّر في تناول الكحول. والجدير بالذكر هنا أن هذا لم يحصل لأن الكحول موجود في جسمه، بل كان كافياً له أن يستشعر فكرة تناولها. ولفهم هذا، يجب أن نلقي نظرة إلي مشاعر اللحظة الحاسمة التي اتخذ فيها قرار الشُرب.

إن فكرة التوقف في الحانة وهو في طريقه إلي المنزل، جعلته قادراً علي إنجاز ما طُلب إليه، وقد شعر فوراً بالارتياح، ولكن لماذا ؟

يكمن الجواب في أن قرار رون البدء بتناول المشروب قد حرر مشاعره من حالة العجز التي يعيشها، واستطاع أن يتخذ قراراً ذاتياً جعله يشعر بالارتياح. إنه الآن سيّد نفسه، ومشاعره، وحياته الخاصة، لأنه كان يعاني شعوراً بالعجز الكلي والاضطراب العاطفي. ومما لا شك فيه، أنه مازال متعلقاً بصورة واقعية، بمتطلبات العالم الخارجي الإجبارية بين المنزل والعمل.

لكن ما يهمّه في هذه اللحظات بالذات، هو أن يظهر هذا الشعور بالعجز، الذي كان ولا يزال شيئاً لا يمكن احتماله بالنسبة إليه. هذا صحيح، ولو أنه اضطر إلى العمل حتّى ساعة متأخرة، ولكنّه قرر أنّه لن يكون بيدق شطرنج تحرّكه طلبات الآخرين، في ذلك اليوم علي الأقل.

وهكذا يمكن أن نعرف الإدمان علي ضوء هذه القصة بأنه سلوك يُقصد به إظهار الشعور العميق وغير المحتمل بالعجز، وهذا العجز متجذّر دائماً في أمر مهم جداً عند الإنسان.

وكما يتضح من التعريف أن الإدمان لا يقتصر فقط علي المخدرات وإنما يشمل كل شئ من شأنه أن يُظهر هذا العجز الدفين في شخصية المدمن. فقد يكون خمر أو حبوب أو سجائر وغيره، وقد يكون سلوكاً كالقمار والجنس والحب والعمل والكمبيوتر والتليفون المحمول والإنترنت …إلخ.

ولعل هذا ما يجعلنا نلتفت إلي أنفسنا ونتسائل: هل أنا مدمن؟

عناصر المراجعه :

تقييم المستخدمون: 4.9 ( 1 أصوات)

شاهد أيضاً

الالم والاوجاع

الالم والاوجاع ما هي وما أهميتها وكيفية عملها في الجسم والدماغ؟

تخيل أنك راكب اسكوتر و فجأة وقعت علي الارض و ركبتك انجرحت .. فبدأت تقول …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Call Now Buttonعلاج الادمان في سرية تامة